عزالدين سليم: سيرة رجل من الجنوب إلى قلب السياسة العراقية
مرّت سنوات طويلة على اغتيال عزالدين سليم، لكن حضوره ما زال يتكرر كلما ذُكر تاريخ العراق الحديث، بوصفه أحد أبرز الشخصيات التي خرجت من بيئة الجنوب العراقي لتصل إلى أعلى هرم السلطة في مرحلة ما بعد 2003، قبل أن يُغتال في لحظة غيّرت مسار حياته ومسار مرحلة سياسية كاملة.
اسمه الحقيقي عبد الزهرة عثمان محمد، لكنه اضطر إلى استخدام اسم “عز الدين سليم” كهوية حركية لحمايته من ملاحقات النظام السابق، الذي حاول اغتياله أكثر من مرة بسبب نشاطه السياسي والدعوي داخل العراق وخارجه. استخدم سليم خلال سنوات العمل السري عدة أسماء مستعارة، من بينها محمد أبو المجد وفرج الله منتظر وعبد الله سعيد العبادي ومحمد مزهر، لكن اسم “عز الدين سليم” بقي الأكثر حضوراً واقتراناً بمسيرته السياسية والفكرية.
جذور من البصرة
وُلد عزالدين سليم في منطقة الهوير شمال البصرة، في بيئة جنوبية ريفية بسيطة، امتزجت فيها الروح الدينية مع قيم العشيرة والتكافل الاجتماعي.
هذه النشأة المبكرة تركت بصمتها على شخصيته، فكان قريباً من الناس، هادئ الطباع، ميّالاً للحوار، ومؤمناً بأن العمل العام يجب أن يقوم على الأخلاق قبل السياسة.
منذ شبابه، بدأ اهتمامه يتجه نحو الفكر الإسلامي والعمل التنظيمي، في وقت كانت فيه الساحة العراقية تعيش حالة من التوتر السياسي والصراع بين السلطة والمعارضة.
الانخراط في العمل الإسلامي
في بدايات الستينيات، انخرط في صفوف حزب الدعوة الإسلامية، وكان من النشطاء الأوائل الذين ساهموا في بناء خلايا تنظيمية في محافظة البصرة.
ومع تصاعد الضغط الأمني على الحركات الإسلامية في العراق، أصبح اسمه ضمن قائمة المطلوبين، خاصة بعد نشاطه الفكري والتنظيمي، ما أدى لاحقاً إلى اعتقاله في منتصف السبعينيات.
الاعتقال والمنفى
تعرض عزالدين سليم للاعتقال خلال فترة السبعينيات، وقضى وقتاً في السجون العراقية، قبل أن يُفرج عنه لاحقاً.
لكن الإفراج لم يكن نهاية المطاف، إذ استمرت الملاحقات الأمنية، ما دفعه إلى مغادرة العراق بشكل سري نحو الكويت، لتبدأ مرحلة المنفى الطويلة.
في الكويت، عمل في مجال التعليم، لكنه لم يبتعد عن النشاط السياسي والفكري، حيث شارك مع عدد من المعارضين العراقيين في نشاطات ثقافية وإعلامية، كانت تهدف إلى إبقاء قضية العراق حاضرة في الخارج.
محطة إيران والعمل المعارض
مع بداية الثمانينيات، انتقل إلى إيران، حيث أصبحت طهران مركزاً رئيسياً لعدد من قوى المعارضة العراقية.
هناك، برز عزالدين سليم كأحد الوجوه الفكرية والسياسية المهمة، وشارك في تأسيس مؤسسات إعلامية ودراسات سياسية، من بينها مشاريع صحفية وفكرية كانت تهدف إلى مواجهة النظام السابق فكرياً وإعلامياً.
كما ساهم في تأسيس ودعم كيانات معارضة، وكان جزءاً من محاولات توحيد الصفوف بين القوى الإسلامية العراقية في الخارج.
مشروعه الفكري والسياسي
لم يكن عزالدين سليم مجرد ناشط سياسي، بل كان يؤمن بأن التغيير يحتاج إلى مشروع فكري متكامل.
لذلك ركّز على الإعلام والدراسات السياسية، وساهم في إنتاج خطاب معارض يقوم على التنظيم والفكر، لا على العمل السياسي فقط.
كان يرى أن مستقبل العراق يجب أن يُبنى على العدالة والمواطنة، وأن الخلافات السياسية يجب ألا تتحول إلى صراعات تدمّر الدولة.
العودة إلى العراق بعد 2003
مع سقوط النظام السابق عام 2003، عاد عزالدين سليم إلى العراق بعد سنوات طويلة من المنفى.
دخل سريعاً في العملية السياسية، وأصبح عضواً في مجلس الحكم الانتقالي، وهو أول كيان سياسي شكّل إدارة المرحلة الانتقالية في العراق بعد الاحتلال.
لاحقاً، تولى رئاسة المجلس بشكل دوري، وكان من الشخصيات التي حاولت إدارة مرحلة سياسية شديدة التعقيد وسط صراعات داخلية وتحديات أمنية كبيرة.
خلال هذه المرحلة، طرح أفكاراً حول “دولة الإنسان”، وهي رؤية تقوم على بناء دولة مدنية عادلة، تضمن حقوق المواطنين وتبتعد عن الإقصاء الطائفي والسياسي.
الاغتيال
في صباح 17 أيار 2004، تعرّض موكبه في بغداد إلى تفجير بسيارة مفخخة، ما أدى إلى استشهاده مع عدد من مرافقيه.
كان الاغتيال صادماً للساحة السياسية العراقية، لأنه وقع في مرحلة حساسة كانت فيها البلاد تحاول بناء مؤسساتها الجديدة بعد سنوات طويلة من الحكم السابق.
إرثه السياسي
يبقى عزالدين سليم من الشخصيات التي جمعت بين العمل المعارض والعمل المؤسسي داخل الدولة بعد 2003.
يُنظر إليه على أنه:
من رموز المعارضة العراقية في الخارج
ومن المشاركين الأوائل في إدارة الدولة الجديدة
وشخصية حاولت الجمع بين الفكر السياسي والرؤية الإصلاحية
ورغم قصر الفترة التي قضاها داخل مؤسسات الحكم، فإن حضوره بقي مرتبطاً بمحاولة بناء دولة تقوم على المواطنة والعدالة، وهو المشروع الذي انتهى باغتياله، لكنه لم يختفِ من الذاكرة السياسية العراقية.


لا يوجد تعليق