مصطفى جبار سند.. حكاية بصراوي شق طريقه من حي الحسين إلى وزارة الاتصالات
في مدينة مثل البصرة، لا تبدأ كل قصص النجاح من المكاتب الفاخرة أو المناصب الكبيرة. بعض الحكايات تبدأ من الأحياء الشعبية، ومن ظروف صعبة تفرض على أصحابها أن يكبروا قبل أوانهم، وأن يتعلموا كيف يصنعون لأنفسهم طريقًا وسط الكثير من التحديات.
ومن هذه الحكايات قصة مصطفى جبار سند، الشخصية البصرية التي انتقلت خلال سنوات من العمل والدراسة في البصرة إلى المجال البرلماني، ثم إلى موقع وزير الاتصالات في العراق.
وُلد مصطفى جبار سند في البصرة عام 1985، ونشأ في حي الحسين، أحد الأحياء الشعبية المعروفة في المحافظة. وتذكر سيرته المنشورة على موقع مجلس النواب العراقي أن والده توفي عام 1995، عندما كان مصطفى في العاشرة من عمره، لتصبح عليه منذ ذلك الوقت مسؤوليات مبكرة كان لها أثر في تشكيل شخصيته وطريقة تعامله مع الحياة.
البصرة.. البداية التي شكلت شخصيته
البصرة ليست مجرد المكان الذي ولد فيه مصطفى سند، بل كانت البيئة التي تشكلت فيها تجربته الأولى.
فالمدينة الجنوبية التي عاشت عقودًا من التحولات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، والتي تعد في الوقت نفسه مركزًا مهمًا للنفط والتجارة والموانئ، كانت مسرحًا لبداياته الدراسية والمهنية.
ووفق السيرة الرسمية المنشورة عنه، جمع سند بين الدراسة والعمل في سنوات مبكرة من حياته، واستطاع أن يحصل على شهادات مرتبطة بمجال التقنية الهندسية للبتروكيمياويات واقتصاديات النفط والغاز. كما عمل في مجالات مرتبطة بشركة نفط البصرة وشركات ودوائر في قطاع النفط.
وهذه الخلفية مهمة لفهم المسار الذي سلكه لاحقًا؛ إذ إن اهتمامه بالاقتصاد والطاقة لم يكن منفصلًا عن واقع المدينة التي نشأ فيها، فالبصرة ترتبط بصورة مباشرة بأهم الملفات النفطية والاقتصادية في العراق.
من الهندسة والنفط إلى الشأن العام
لم يتوقف اهتمام مصطفى سند عند الجانب المهني.
فبحسب سيرته البرلمانية، شارك خلال سنوات سابقة في نشاطات ومطالبات مرتبطة بالخدمات والحقوق، وكان من بين الملفات التي ارتبط بها الكهرباء والمياه والخدمات في البصرة.
وتشير السيرة المنشورة في موقع مجلس النواب إلى مشاركته في احتجاجات ومطالبات شعبية خلال سنوات مختلفة، من بينها حراك مرتبط بواقع الكهرباء عام 2010، ومطالبات أخرى تتعلق بالخدمات والمياه.
ومن هنا بدأت شخصيته تأخذ مسارًا مختلفًا؛ فبدل أن يبقى اهتمامه محصورًا في مجال تخصصه، أصبح أقرب إلى الملفات العامة التي تمس حياة سكان البصرة.
العمل البرلماني.. مرحلة جديدة
كانت الانتخابات البرلمانية محطة أساسية في مسيرة مصطفى سند.
فقد فاز في الانتخابات البرلمانية لعام 2021، وأصبح عضوًا في مجلس النواب العراقي، ثم عمل في اللجنة المالية النيابية، وهي واحدة من اللجان المهمة التي تتعامل مع ملفات الموازنة والموارد والإيرادات والنفقات والسياسات المالية للدولة.
وجوده في اللجنة المالية كان متوافقًا إلى حد كبير مع خلفيته السابقة في الاقتصاد والنفط، وهي ملفات ظل قريبًا منها منذ سنوات عمله الأولى.
كما ظهر اسمه في أعمال ومناقشات نيابية مرتبطة بعدد من الملفات والقوانين، ما جعله ينتقل تدريجيًا من النشاط المحلي في البصرة إلى مساحة أوسع على المستوى العراقي.
من نائب بصري إلى وزير للاتصالات
في عام 2026، دخلت مسيرة مصطفى سند مرحلة جديدة.
فبعد تجربته النيابية، تولى وزارة الاتصالات العراقية، ليصبح واحدًا من أبناء البصرة الذين وصلوا إلى منصب وزاري في الحكومة العراقية.
وفي مايو 2026، بدأ ممارسة مهامه وزيرًا للاتصالات، لينتقل من الملفات المالية والبرلمانية إلى قطاع مختلف في طبيعته، لكنه شديد الأهمية في حياة العراقيين اليومية.
فالوزارة التي أصبح مسؤولًا عنها تتعامل مع ملفات الإنترنت والاتصالات والبنية التحتية الرقمية والبريد وتكنولوجيا المعلومات، وهي قطاعات أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بالاقتصاد والتعليم والعمل والخدمات الحكومية.
لماذا تعد وزارة الاتصالات تحديًا كبيرًا؟
ربما تختلف وزارة الاتصالات عن الملفات التي تعامل معها سند سابقًا في اللجنة المالية، لكن هناك نقطة مشتركة بين المجالين: الاقتصاد والتنمية.
فالإنترنت لم يعد مجرد وسيلة للتواصل والترفيه، وإنما تحول إلى جزء أساسي من الاقتصاد الحديث.
ولهذا طرح سند، منذ توليه الوزارة، رؤية ترتكز على تطوير البنية التحتية للاتصالات، وتحسين الخدمات، ودعم التحول الرقمي، ومحاولة الاستفادة من موقع العراق الجغرافي ليصبح مركزًا إقليميًا لتبادل البيانات والاتصالات.
وهذه الرؤية تعني أن الوزارة لا تنظر إلى الاتصالات باعتبارها خدمة استهلاكية فقط، بل باعتبارها قطاعًا يمكن أن يساهم في الاقتصاد العراقي ويخلق فرصًا جديدة في مجال التكنولوجيا.
العراق كممر رقمي بين الشرق والغرب
من أبرز الأفكار التي ظهرت في تصريحات مصطفى سند خلال الفترة الأولى من عمله الوزاري، العمل على الاستفادة من موقع العراق الجغرافي في نقل سعات الإنترنت بين الشرق والغرب.
وفي يونيو 2026، أعلنت وزارة الاتصالات تخفيض رسوم إمرار سعات الإنترنت عبر العراق بنسبة 40%، ضمن توجه لتحويل البلاد إلى ممر دولي لنقل البيانات. وقال سند إن الهدف هو تعزيز دور العراق في حركة الإنترنت الإقليمية.
هذه الخطوة تكشف جانبًا من طبيعة الملفات التي أصبحت أمام الوزير؛ فالموضوع لم يعد متعلقًا فقط بتحسين سرعة الإنترنت للمستخدم العراقي، وإنما يتصل أيضًا بمحاولة جعل العراق جزءًا من البنية التحتية الرقمية الإقليمية.
الاهتمام بالشباب والتكنولوجيا
ومن الملفات التي ظهرت أيضًا في برنامج الوزارة الاهتمام بالمواهب الشابة.
ففي يوليو 2026، أعلن مصطفى سند عن خطة لتنظيم مسابقة تستهدف 100 شاب من مختلف المحافظات، بينهم خريجون ومتخصصون في الأمن السيبراني وهندسة الاتصالات والبرمجيات، إلى جانب شباب يمتلكون مواهب تقنية من خارج الوسط الأكاديمي.
الفكرة هنا تتجاوز مسألة المسابقة نفسها؛ فالعراق يمتلك أعدادًا كبيرة من الشباب المتخصصين في المجالات التقنية، بينما يحتاج سوق العمل إلى استثمار هذه الطاقات بطريقة أفضل.
ولهذا فإن دعم المواهب العراقية في مجالات البرمجة والأمن السيبراني والاتصالات يمكن أن يصبح أحد الملفات المهمة في مستقبل قطاع التكنولوجيا داخل البلاد.
قرارات خدمية قريبة من المواطن
وبعيدًا عن المشاريع الكبيرة والاستراتيجيات الرقمية، شهدت الفترة الأولى من عمل مصطفى سند قرارات تتعلق بخدمات يومية.
ففي يوليو 2026، وجه بإطفاء الديون المالية المستحقة على المواطنين الخاصة بخدمة الهواتف الأرضية القديمة، مع العمل على إلغاء براءة الذمة المرتبطة بهذه الخدمة، بهدف تقليل الإجراءات الإدارية وتسهيل معاملات المواطنين.
مثل هذه القرارات تبدو بسيطة مقارنة بالمشاريع الكبرى، لكنها ترتبط مباشرة بتجربة المواطن مع مؤسسات الدولة، وتوضح أن عمل الوزارة يشمل الجوانب الخدمية والإدارية إلى جانب مشاريع الاتصالات والتكنولوجيا.
شخصية بصراوية أمام اختبار مختلف
قصة مصطفى جبار سند لا يمكن اختصارها بالقول إنه «نائب أصبح وزيرًا».
فالمسار الذي قطعه بدأ من ظروف شخصية صعبة في البصرة، مرورًا بالدراسة والعمل في قطاع النفط، ثم النشاط العام والعمل البرلماني، وصولًا إلى مسؤولية إدارة واحدة من الوزارات التي سيكون لها دور متزايد في مستقبل العراق.
لكن الوصول إلى المنصب ليس نهاية القصة.
فالمقياس الحقيقي لأي مسؤول هو ما يستطيع تحقيقه خلال فترة وجوده في موقع المسؤولية، ومدى انعكاس قراراته على حياة الناس، وقدرته على تحويل الخطط والأفكار إلى مشاريع وخدمات ملموسة.
وهذا بالتحديد هو الاختبار الذي يواجه مصطفى سند في وزارة الاتصالات.
البصرة في قصة مصطفى سند
بالنسبة إلى موقع البصرة أولاً، فإن أهمية هذه القصة لا تأتي من المنصب الوزاري وحده.
البصرة قدمت خلال تاريخها شخصيات كثيرة في الأدب والثقافة والرياضة والسياسة والاقتصاد، ولا تزال المدينة تنتج أسماء جديدة تدخل مجالات مختلفة.
وتستحق قصص هؤلاء الأشخاص أن تُروى بعيدًا عن الأخبار السياسية اليومية، لأن خلف كل اسم رحلة طويلة من الدراسة والعمل والتجارب والنجاحات والإخفاقات.
ومصطفى سند واحد من الأسماء التي يمكن قراءة تجربتها من هذه الزاوية: ابن مدينة بدأ حياته في أحد أحياء البصرة، درس وعمل في ظروف مختلفة، دخل المجال العام، أصبح نائبًا، ثم انتقل إلى موقع وزاري مسؤول عن قطاع يتجه بسرعة نحو التكنولوجيا والتحول الرقمي.


لا يوجد تعليق