العراق: دولة تحت الاختبار
الإسلاموية الريعية.. حين يبتلع “النفط” ملامح “المقدس”
كتب رياض الفرطوسي
في تاريخ الحركات السياسية، ثمة لحظات فارقة تتحول فيها الأفكار من “وقود للمقاومة” إلى “أداة للزبائنية”؛ وهذا بالضبط ما يجسده مسار القوى الراديكالية التي تصدرت المشهد العراقي بعد عام 2003. تلك الحركات التي طاردتها مشانق النظام السابق لعقود، وصُنفت في تقارير الاستخبارات الغربية كمنظمات “عقائدية صلبة”، وجدت نفسها فجأة تتربع على عرش السلطة في بغداد. لكن هذا الصعود لم يكن انتصاراً للمشروع الفكري، بقدر ما كان إعلاناً عن ولادة نمط هجين أطلقت عليه مراكز الأبحاث، مثل “مؤسسة كارنيغي”، وصف “الإسلاموية الريعية”.
لقد كانت البدايات في حواضر النجف العلمية توحي بمشروع كوني صاغه فقهاء وفلاسفة كبار، قدموا أطروحات في “اقتصادنا” و”فلسفتنا” لتحدي الماركسية والليبرالية معاً. قدم أولئك المنظرون مفاهيم متقدمة حول “ولاية الأمة على نفسها”، وهو اجتهاد يمنح الشعب حق انتخاب السلطة التنفيذية تحت إشراف قيمي رصين. إلا أن الباحث البريطاني “توبي دودج”، في تشريحه لـ “تآكل الدولة”، يرى أن هذا الإرث الفكري اصطدم بـ “لوثة النفط” فور الاستلام الفعلي لمقاليد الحكم. فبدلاً من تشييد “دولة المواطنة”، غرق الحاملون للواء التغيير في وحل “دولة الريع”، حيث استُبدل “المواطن” بـ “الزبون”، وتحولت الوزارات إلى إقطاعيات والمناصب إلى غنائم تُوزع على “المريدين” والأنصار لضمان الولاء السياسي.
هذا الانحدار من “يوتوبيا الأفكار” إلى “مستنقع المغانم” يعيدنا بذهول إلى نبوءة صادمة أطلقها الفيلسوف محمد باقر الصدر في نهاية السبعينيات؛ ففي محاضرته الشهيرة عن “حب الدنيا” أمام طلبة العلوم الدينية، لم يكن الصدر يعظ أخلاقياً فحسب، بل كان يرسم خارطة طريق للسقوط السياسي القادم حين سأل بمرارة استباقية: “هل عُرِضَت علينا دنيا هارون حتى لم نصنع ما صنعه هارون الرشيد؟”. لقد كان الصدر يدرك بعبقريته أن “نقاء المعارضة” هو مجرد اختبار لم يبدأ بعد، وأن الاختبار الحقيقي ليس في مواجهة مشانق الظلم، بل في صمود الأيديولوجيا أمام إغراءات “كرسي الرشيد”. واليوم، ونحن نرى الدولة وقد تحولت إلى “إقطاعية ريعية”، ندرك أن النخبة التي استلمت الحكم قد أجابت بمرارة على سؤال الصدر، فاختارت “دنيا هارون” وتركت خلفها مشروعه في “دولة الإنسان”.
إن الاختبار الوجودي الذي سقطت فيه تلك النخب هو العجز عن الانتقال من “سيكولوجية المظلومية” إلى “عقلية الدولة”. ففي ظل موازنات انفجارية تغذيها آبار النفط، تراجعت الشعارات الكبرى أمام لغة الأرقام والعمولات والتعيينات “بالوكالة”. يرى عالم الاجتماع الفرنسي “جيل كيبيل” أن الحركات العقائدية حين تصطدم بآليات الدولة الريعية، تفقد قدرتها على التعبئة الأخلاقية وتتحول إلى “أجهزة بيروقراطية” تبحث عن البقاء المادي الصرف. وهذا هو التوصيف الدقيق لما جرى؛ حيث جرى اختزال الأحزاب التاريخية من قوى تغييرية إلى شبكات معقدة من “المكاتب الاقتصادية” التي تتصارع على حصة الأسد من الموازنة العامة، محولةً الدولة إلى “وليمة” والسياسة إلى “فن الاستحواذ”.
اليوم، يقف هذا المسار كنموذج صارخ لما يسميه المنظر السياسي “فرانسيس فوكوياما” في كتابه “النظام السياسي والاضمحلال السياسي” بـ “الدولة الفاشلة في تقديم الخدمات”؛ حيث تؤدي “الزبائنية السياسية” (Clientelism) إلى تآكل قدرة الدولة على حماية مواطنيها وتوفير كرامتهم. لقد تحول الحالمون بالعدالة الاجتماعية إلى “أوليغارشية” (حكم الأقلية الثرية) تراكم الثروات في العواصم الخارجية، بينما يئن الشارع تحت وطأة البطالة وتردي الخدمات.
إن قصة هذا التحول هي الدرس الأقسى في كيفية تحول “المقدس” إلى “نفعي” حين يوضع على “سرير المحاصصة”، وحين يصبح النفط هو المحرك الحقيقي للقرار السياسي خلف ستار كثيف من الشعارات. في الحلقة القادمة، سنغوص في كيفية تحول هذه الصراعات الداخلية إلى وقود في “ماكنة الخارج”، لنفهم كيف أصبحت الجغرافيا العراقية “ساحة تصفية” لا “ساحة بناء”.


لا يوجد تعليق