خطيئة التأسيس
كتب رياض الفرطوسي
في بودكاست “حوار سالم” الذي يقدمه الاستاذ سالم مشكور ، يظهر الدكتور علي الأديب لا كسياسي يدافع عن منجز، بل كشاهد عيان يقرأ في “دفتر الخيبات” بعد غيابٍ فرضه التأمل والمراجعة. هذه المقابلة ليست مجرد استذكار لسيرة وزير أو نائب سابق، بل هي تشريحٌ جريء لجسد العملية السياسية التي يصفها الأديب بأنها “مشروعٌ غلبه الخطأ منذ البدء”، حين استُبدلت فكرة بناء “الدولة” بنزوة إقامة “السلطة”. ومن هنا ينفتح الجرح: فالعراق منذ ثلاثة وعشرين عاماً يراوح في مكانه، يسكنه مجتمعٌ مشوه الوعي، لا يعرف المواطنة إلا من خلال ثقوب المذاهب والقوميات، مما جعله كياناً هشاً بلا مصدات، يسهل التلاعب بمصيره في أي لحظة.
يضع الأديب يده على “خطيئة التأسيس” متمثلة في الدستور الذي وُصف بـ “الجامد”، والذي كتبته لحظة صراع الهويات لا لحظة بناء الوطن. ويروي بمرارة كيف تحول العراق إلى “فيدرالية قلقة”، حيث إقليم كردستان يمارس استقلالاً شبه تام ويأخذ من المركز ما يشاء، بينما غرق الوسط والجنوب في فوضى “مجالس المحافظات” التي تحولت إلى دكاكين حزبية لتقاسم الغنائم وعرقلة التنمية. إن اعتراف الأديب بأن التحالف الشيعي الكردي في بداياته قبل بـ “تكبيل” الدستور بشروط تعجيزية، يكشف عن حجم الارتباك التاريخي للنخب التي كانت تخشى محيطها أكثر مما تثق بمستقبلها، فبنت نظاماً يحمي “المكون” ويقتل “الوطن”.
الأكثر إثارة للصدمة في هذا الحوار هو تعرية “الأخلاق السياسية” لمن تصدوا للمشهد، وخصوصاً أولئك الذين لبسوا جلباب التدين. يتحدث الأديب عن “فقه مشوه” يبرر النهب والفساد؛ حيث يسرق الموظف المتدين المال العام تحت مسمى “الكوميشن” أو “الاستحقاق الشرعي”، محولاً العبادة إلى طقس شكلي والسياسة إلى وسيلة لجمع المال وتأمين الانتخابات القادمة. هذا “الانحراف النفسي” الذي طغى على الانتماء الحزبي، جعل من الوزارات إقطاعيات لا تعرف التراكم المؤسسي، فكل وزير يمحو ما قبله ليبدأ بـ “منهجية المصالح” لا “منهجية الدولة”.
يختم الأديب رؤيته بدعوة هي بمثابة صرخة أخيرة للنخب الفكرية والأكاديمية: إنقاذ العراق لا يبدأ من قصور الحكام، بل من “نهضة الوعي” وتعديل المسار الدستوري والقانوني. نحن نعيش في غابة من 400 حزب، أغلبها “كيانات وهمية” بلا رؤية أو مشروع، تعبد الأفراد وتقتات على الجهل الشعبي. إن العودة إلى “الدولة الموحدة” والتحرر من أسر “المكونات” هو المخرج الوحيد قبل أن يتلاشى مفهوم “العراق” تماماً. فهل تملك النخب التي أدمنت الصمت والتمادح شجاعة المبادرة، أم أن “المرجل المستعر” لنهب الثروات سيظل يغلي حتى يحرق الجميع؟


لا يوجد تعليق